المسعودي
56
مروج الذهب ومعادن الجوهر
بقايا ذلك لفي صدري ، قال : ويلك لمن ؟ قال : أيها الأمير ، كنت آلف الرصافة في أيام المعتصم ، وكانت لقيْنةَ أم ولد الرشيد جاريةٌ تخرج في حوائجها ( 1 ) وتقوم في أمرها ، وتلقي الناس عنها ، وكانت قينة تتولى أمر القصر إذ ذاك ، وكانت الجارية تمر بي فأحتشمها وأعاينها ، ثم راسلتها فطردَت رسولي وهددتني ، وكنت أقعد على طريقها لأكلها ، فإذا رأتني ضحكت وغمزت الجواري بالعَبث بي والهزْء ، ثم فارقتها وفي قلبي منها نار لا تخمد ، وغليل لا يبرد ، ووجد يتجدد ، فقال له المنتصر : فهل لك أن أحضرها وأزوجكها إن كانت حرة أو أشتريها إن كانت أمة ؟ فقال : والله أيها الأمير إن بي إلى ذلك أعظم الفاقة وأشدَّ الحاجة ، قال : فدعا المنتصر بأحمد بن الخصيب ، وسأله أن يوجه له في ذلك غلاماً من غلمانه منفردا ، ويكتب معه كتاباً مؤكداً إلى إبراهيم بن إسحاق وصالح الخادم المتولي لأمر الحرم بمدينة السلام ، فمضى الرسول وقد كانت قينة أعتقتها وخرجت من حد الجواري إلى حد النساء البوالغ ، فحملها إلى المنتصر ، فلما حضرت نظرتُ إليها ، فإذا عجوز قد حدبت وعنست وبها بقية من الجمال ، فقال لها : أتحبين أن أزوجك ؟ قالت : إنما أنا أمتك أيها الأمير ومولاتك ، فافعل ما بدا لك ، فأحضر صالحاً وأملكه بها وأمهرها ، ثم مزح به ، فأحضر جوزا مرصصا وفركا مخلقا ، فنثره عليه ، وأقامت مع صالح مدة طويلة ، ثم ملَّها ففارقها ، وقال يعقوب التمار في ذلك : منح الله أبا الفضل حياة لا تنغص وتولاه ، فقد با لغ في الحب وأخلص عاشقاً كان على التز ويج للعقد تحرَّص من هوى من شعرُها يخضب بالحنا المعفص فتراه عندما ينصُلُ كالبرد المحرص
--> ( 1 ) في نسخة : في جواريها .